فرنسا في 2026: ديمقراطية منهكة ونموذج يحتاج إلى إعادة ابتكار
في عام 2026، تمر فرنسا بأزمة ثقة سياسية غير مسبوقة في حجمها. امتناع قياسي عن التصويت، وغضب اجتماعي منتشر، وشعور بالتخلي عن مناطق واسعة من البلاد: لم تعد المؤسسات الموروثة عن الجمهورية الخامسة قادرة على استيعاب تطلعات مجتمع متشظٍ. وأمام هذا الواقع، يبرز اقتراح: الديموسيوكراطية، نموذج يريد إعادة القرار العام إلى أيدي المواطنين بصورة مستمرة، لا في المواعيد الانتخابية وحدها.
يقترح هذا المقال دراسة المشكلات السياسية والاجتماعية الكبرى التي تعيشها فرنسا في 2026، ثم توضيح كيف يمكن للديموسيوكراطية أن تقدم إجابات عملية، بالاعتماد على المشاركة المباشرة للمواطنين والشفافية وإزالة بعض العوائق المؤسسية.
1. الأزمة الديمقراطية والامتناع الجماعي عن التصويت
انتخابات بعد أخرى، تتكرر الملاحظة نفسها: يتزايد الامتناع عن التصويت، حتى في الاستحقاقات التي تُعد الأكثر حسمًا. وفي 2026، لم يعد نادرًا أن يبتعد أكثر من نصف الناخبين عن صناديق الاقتراع. وبالنسبة إلى كثير من المواطنين، يعني التصويت الاختيار بين عروض سياسية يرونها بعيدة عن اهتماماتهم، دون إمكانية التأثير الفعلي في مسار القرارات بعد انتهاء الانتخابات.
تغذي هذه الأزمة الديمقراطية شعورًا بالعجز؛ إذ يبدو التصويت فعلًا رمزيًا دون تأثير حقيقي في السياسات العامة. ويعزز نظام الأغلبية، المقترن ببنية مؤسسية شديدة العمودية، فكرة أن أقلية من المنتخبين تحكم لمصلحتها بعيدًا عن الرقابة الشعبية.
كيف تجيب الديموسيوكراطية عن أزمة المشاركة
تقوم الديموسيوكراطية على مبدأ بسيط: إشراك المواطنين باستمرار في القرار العام من خلال آليات منتظمة للتشاور والمداولة والتصويت على المستويين الوطني والمحلي. ويعني ذلك عمليًا:
- منصات عامة آمنة تتيح اقتراح القوانين أو السياسات العامة وتعديلها والتصويت عليها؛
- مجالس مواطنين تُختار بالقرعة، تتولى دراسة المشروعات بعمق وتحسينها وضمان توازنها؛
- حقًا فعليًا في المبادرة الشعبية، يتيح إدراج موضوعات تتجاهلها الأحزاب التقليدية في جدول الأعمال السياسي.
بإعادة سلطة قرار حقيقية إلى المواطنين، على فترات منتظمة وفي موضوعات محددة، تغيّر الديموسيوكراطية معنى الفعل السياسي: فلا يعود الانخراط مقتصرًا على إيداع ورقة اقتراع كل خمس سنوات، بل يصبح عملية مستمرة تساعد على تقليل الامتناع واستعادة الشعور بفائدة التصويت.
2. اتساع أوجه التفاوت الاجتماعي والاقتصادي
رغم عقود من سياسات إعادة التوزيع، تظل فرنسا في 2026 متأثرة بتفاوت الدخل والثروة والوصول إلى الخدمات العامة. وتشعر الطبقات الوسطى بالضغط، ويرى الأقل دخلًا أوضاعهم تتدهور، بينما تتركز الثروة في أيدي أقلية. ويغذي هذا الانقسام الغضب الاجتماعي والانطباع بأن الجهد لم يعد يُكافأ بعدل، وأن القرارات الاقتصادية تُتخذ لمصلحة مصالح خاصة.
وتجد آليات القرار الاقتصادي الحالية، التي غالبًا ما تكون تكنوقراطية ومتأثرة بقوة بجماعات الضغط، صعوبة في استيعاب اهتمامات المواطنين العملية: العمل المحلي، والخدمات العامة القريبة، وظروف العمل، والضرائب التصاعدية فعلًا. وكثيرًا ما تُحسم المفاضلات المالية بعيدًا عن أنظار الجمهور.
خيارات اقتصادية تحت رقابة المواطنين
تقترح الديموسيوكراطية إعادة المواطنين إلى قلب الخيارات الاقتصادية الأساسية، بإدخال آليات للقرار المشترك بشأن:
- التوجهات الضريبية الكبرى، مثل درجة التصاعدية وتوزيع الضرائب بين الأسر والشركات؛
- أولويات الميزانية، كالتعليم والصحة والتحول البيئي والدفاع، من خلال ميزانيات تشاركية وطنية ومحلية واسعة النطاق؛
- سياسات دعم الأقاليم والقطاعات الاقتصادية التي تواجه صعوبات.
وتُعد هذه القرارات، المطروحة للمداولة العامة، لجان مختلطة من خبراء مستقلين ومواطنين مختارين بالقرعة، تتولى تقديم سيناريوهات متعددة محسوبة بالأرقام ونتائجها. ثم يستطيع المواطنون الحسم بالتصويت عن علم.
وبكسر الغموض الحالي في المفاضلات الاقتصادية، ومنح المواطنين تأثيرًا حقيقيًا في الخيارات التي تحدد توزيع الثروة، تسهم الديموسيوكراطية في إضفاء الشرعية على الجهد الجماعي وتقليل الشعور بالظلم الذي يغذي التوترات الاجتماعية.
3. الانقسام الإقليمي بين باريس و«الصحارى» الفرنسية
في مناطق ريفية أو محيطة بالمدن كثيرة، يغذي إغلاق الخدمات العامة وندرة النقل ونقص الرعاية الطبية والاستثمار شعورًا بالتخلي. وفي المقابل، تتركز الوظائف المؤهلة والبنية الثقافية ومراكز القرار في باريس وبضع مدن كبرى. وتولد هذه الجغرافيا غير المتكافئة للفرص غضبًا عميقًا، كثيرًا ما يُوجَّه ضد «مركز» يُنظر إليه على أنه لا يسمع واقع «البلد الحقيقي».
ولم تستجب ترتيبات اللامركزية الحالية إلا جزئيًا لهذا الانقسام. فالمنتخبون المحليون يفتقرون إلى هامش مالي للحركة، بينما تظل قرارات أساسية كثيرة تُتخذ في باريس. ويشعر مواطنو المناطق المسماة «صحارى» بأن أولوياتهم لا وزن لها في جدول الأعمال الوطني.
إعادة السلطة إلى الأقاليم عبر الديموسيوكراطية
تقترح الديموسيوكراطية إعادة تنظيم عميقة للقرار الإقليمي، تقوم على ركيزتين: التفريع الحقيقي للسلطات والمشاركة المحلية المباشرة.
التفريع الحقيقي للسلطات: كل قرار يمكن اتخاذه بكفاءة على المستوى المحلي، سواء في البلدية أو تجمع البلديات أو المقاطعة أو المنطقة، يجب أن يُتخذ هناك مع الموارد المالية المناسبة. ولا يتدخل المستوى الوطني إلا فيما لا يمكن حسمه محليًا.
المشاركة المحلية المباشرة: يستطيع سكان الإقليم إطلاق مشاورات ملزمة بشأن مواقع الخدمات العامة أو إعادة فتح محطة قطار أو أولوية التأهيل الطاقي أو إنشاء مركز صحي، وغيرها.
وتتيح منصة وطنية موحدة، مكيّفة محليًا، لكل مواطن المشاركة في القرارات المتعلقة بإقليمه: ترتيب الاستثمارات حسب الأولوية، والمفاضلة بين المشروعات، ومتابعة التنفيذ. وتلتزم السلطات المحلية باحترام هذه الخيارات، أو بتبرير أي خروج عنها علنًا.
وبإشراك السكان مباشرة في القرارات الإقليمية ومنحهم حقًا دائمًا في مراقبة التنفيذ، تقلل الديموسيوكراطية الشعور بالتخلي وتعيد التوازن إلى علاقة القوة بين المركز والأطراف.
4. أزمة القدرة الشرائية والتضخم المستمر
منذ القفزة السعرية في مطلع عشرينيات القرن الحالي، أضعف التضخم القدرة الشرائية للأسر على نحو مستمر، وخصوصًا الطبقات الشعبية والوسطى. وتثقل الطاقة والغذاء والسكن الميزانيات، في حين لم تتبع الأجور المسار نفسه. ويشعر كثير من الفرنسيين بأن القرارات النقدية والمالية والمتعلقة بالأجور تُتخذ دونهم، في أوساط بعيدة عن حياتهم اليومية.
وتُنظر إلى التدابير المؤقتة، مثل قسائم الطاقة ودروع الأسعار والمكافآت الاستثنائية، باعتبارها ترقيعات عاجلة دون استراتيجية مستدامة لحماية الأكثر هشاشة أو نقاش حقيقي حول تقاسم القيمة بين رأس المال والعمل.
إدارة اقتصادية أكثر شفافية وقائمة على المداولة
في إطار الديموسيوكراطية، لا تعود التوجهات الكبرى المؤثرة في القدرة الشرائية حكرًا على دوائر ضيقة من الخبراء وصناع القرار. بل تخضع لإجراءات عامة منظمة:
- عقد مؤتمرات مواطنين منتظمة بشأن القدرة الشرائية تجمع مواطنين مختارين بالقرعة ونقابات ومنظمات أصحاب العمل وخبراء؛
- طرح سيناريوهات بديلة للنقاش العام بشأن سياسة الأجور والضرائب على الأرباح والمساعدات الموجهة أو الشاملة؛
- تصويت المواطنين على حزم متماسكة من التدابير، مع التزام الحكومة باحترام هيكلها العام.
كما تُعزز الشفافية: فكل قرار له أثر ملموس في مستوى المعيشة، كإصلاح اجتماعي أو تعديل ضريبة القيمة المضافة أو زيادة المساعدات أو خفضها، يجب أن تصحبه دراسة أثر متاحة ومبسطة تُناقش علنًا قبل اعتماده.
وبمنح المواطنين إمكانية التأثير في المفاضلات التي تمس جيوبهم مباشرة، لا تعد الديموسيوكراطية بزوال القيود الاقتصادية، لكنها تضمن أن تُقرَّر التضحيات المحتملة جماعيًا وأن تُعد أكثر شرعية.
5. انعدام الثقة في المنتخبين والفساد المتصوَّر
قضايا تضارب المصالح، وشبهات المحاباة، والأبواب الدوارة بين القطاعين العام والخاص: غذت وقائع عديدة في السنوات الأخيرة فكرة أن المنتخبين يخدمون مصالح خاصة أكثر من المصلحة العامة. وحتى عندما لا يثبت الفساد، فإن تصور التقارب المفرط بين المسؤولين السياسيين والشركات الكبرى وجماعات الضغط يضر بالثقة بعمق.
وتبدو آليات الرقابة القائمة، مثل إقرارات الممتلكات وهيئات الأخلاقيات وقوانين الشفافية، غير كافية في نظر جزء من السكان يطالب بضمانات أشد ورقابة مباشرة من المواطنين على ممارسة السلطة.
شفافية جذرية ورقابة شعبية دائمة
تقترح الديموسيوكراطية نقل مركز ثقل السلطة، بحيث لا يعتمد على المنتخبين وحدهم، بل كذلك على هيئات مواطنين دائمة تمتلك وسائل رقابة فعلية. ومن الأدوات الممكنة:
- لجان رقابة شعبية تُختار بالقرعة وتُخوَّل فحص تضارب المصالح واستخدام المال العام والعلاقات مع جماعات الضغط؛
- إلزامية الشفافية الفورية في جداول المسؤولين العموميين، واجتماعاتهم مع جماعات المصالح، وقرارات الصفقات العامة؛
- إتاحة تفعيل إجراءات العزل أو الاستدعاء الشعبي عند وقوع إخلال أخلاقي جسيم أو تكرار عدم الوفاء بالالتزامات.
لا تحل هذه الأدوات محل القضاة أو الهيئات المستقلة، بل تكملها بنظرة شعبية مؤسسية. وتؤدي زيادة السلطات المضادة، من منتخبين وعدالة ومواطنين منظمين، إلى تقليل مناطق الغموض المواتية للانحرافات.
وبإظهار مسارات القرار ومنح المواطنين قدرة على التدخل عند حدوث تجاوزات، تسعى الديموسيوكراطية إلى تغيير العلاقة بين الحاكمين والمحكومين: شك أقل، ومسؤولية ومساءلة أكبر.
6. فشل الإصلاحات الهيكلية التي يعطلها نظام المجلسين
يُفترض أن يضمن نظام المجلسين الفرنسي، الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، التوازن وجودة القانون. لكنه يُتهم عمليًا كثيرًا بعرقلة إصلاحات يراها جزء من السكان عاجلة: التحول البيئي، وإعادة بناء نظام التقاعد، والتبسيط الإداري، وتجديد المستشفيات العامة، وإصلاح المدرسة.
وبين تبادل النصوص بين المجلسين والتسويات الدنيا والتعديلات المخففة والقيود الدستورية، تصل إصلاحات كثيرة إلى نهاية المسار مفرغة من مضمونها، أو لا ترى النور أصلًا. ويغذي هذا الانطباع بالانسداد الدائم إحباط المواطنين: لماذا نشارك في نظام لا يستطيع إصلاح نفسه؟
إزالة العوائق المؤسسية بسيادة المواطنين
لا تقترح الديموسيوكراطية بالضرورة إلغاء كل تمثيل برلماني، بل إعادة تشكيل السلطة التشريعية حول السيادة المباشرة للمواطنين. ويمكن تصور مسارات عدة:
- إنشاء مجلس مواطنين دائم يُختار بالقرعة، يشارك المنتخبين في صياغة القوانين ويمتلك حق الاعتراض على النصوص التي تُعد مخالفة للمصلحة العامة؛
- إقرار استفتاء تشريعي بمبادرة شعبية، يتيح اعتماد القوانين مباشرة حين يعرقل البرلمان مشروعًا تؤيده أغلبية كبيرة من المواطنين؛
- تقييد تبادل النصوص بين المجلسين بمهل صارمة، تصبح بعدها الكلمة لقرار المواطنين عبر استفتاء أو تصويت رقمي وطني.
في هذا الإطار، لا تختفي المؤسسات التمثيلية، بل تصبح أدوات لصياغة الإرادة الشعبية بدلًا من مرشحات تخففها أو تتجاهلها. وتُعوض عوائق نظام المجلسين الحالية بإمكانية اللجوء المنظم والمنضبط إلى التحكيم المباشر للمواطنين.
خاتمة: إعادة تأسيس ديمقراطي بحجم التحديات
تواجه فرنسا في 2026 تحديات هائلة: أزمة ديمقراطية، وتفاوتًا اجتماعيًا، وانقسامات إقليمية، وضغوطًا على القدرة الشرائية، وانعدام ثقة في المنتخبين، وعوائق مؤسسية. وهذه الأعراض ليست منفصلة، بل ترسم أزمة شاملة لنموذج سياسي يصعب عليه إشراك المواطنين في تحديد المصلحة العامة.
الديموسيوكراطية ليست يوتوبيا ساذجة ولا حلًا سحريًا. إنها اقتراح لإعادة تأسيس عميقة تنطلق من فكرة بسيطة: في مجتمع متعلم ومترابط ومتطلب، لم يعد مقبولًا حصر المشاركة الشعبية في مواعيد انتخابية قليلة ومتباعدة. يجب أن يصبح القرار العام عملية مستمرة وشفافة ومشتركة.
وتقتضي إعادة تأسيس النظام كتابة قواعد جديدة: الاعتراف بحق فعلي في المبادرة الشعبية، وإضفاء طابع مؤسسي على مجالس المواطنين المختارين بالقرعة، وفتح البيانات العامة، وتنظيم تضارب المصالح بصرامة، وإزالة عوائق نظام المجلسين حين تكون الإرادة الشعبية واضحة. وبعبارة أخرى، قبول أن السيادة لم تعد تُفوَّض على بياض، بل تُتقاسم وتُراقب وتُصحح باستمرار.
وفي وقت تتنامى فيه إغراءات الاستسلام والانكفاء السلطوي، تقدم الديموسيوكراطية طريقًا آخر: ديمقراطية ناضجة تثق بالذكاء الجماعي للمواطنين لمواجهة الأزمات وابتكار حلول جديدة. ويبقى السؤال هل سيكون المجتمع الفرنسي مستعدًا لخوض هذا الإصلاح العميق لنظامه السياسي، وهل ستقبل نخبه تقاسم السلطة فعلًا.
Mercidevoscommentaires